Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog

تهتم بقضايا البحث الأكاديمي، وإعادة نشر مقالات الأستاذ أحمد عظيمي وكذلك الترويج للقضايا الفكرية التي تخدم الأمة العربية

النخب والقابلية للخدمة

 

النخب والقابلية للخدمة

 

بقلم: احمد عظيمي

نشر في جريدة صوت الأحرار (06/06/2011)

 

في إحدى المناسبات التي جرت في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، ركب أحد الجامعيين مع جنرالا جزائريا أثناء تنقل وفد من مدينة البليدة إلى أعالي الشريعة، وعلى طول المسافة بين النقطتين راح الإطار الجامعي يتملق الجنرال ويمدح خصاله الكثيرة، ولما بلغ الوفد مدينة الشريعة وبدأت السيارات تتوقف ليترجل الجميع أنهى الجامعي كلامه مع الضابط الكبير قائلا له: "تعلم يا سيادة العميد، إنه لا ينقصك إلا شيء واحد لو اكتسبته لكنت أعظم جنرال في العالم"، فنظر إليه هذا الأخير متسائلا عن الشيء الذي ينقصه ولما رد الإطار الجامعي بأن الأمر يتعلق بالتعليم الذي حرم منه الجنرال، رد عليه قائلا: "تعلم، لو كنت متعلما لكنت في نفس وضعك تماما، فأنت أمضيت كل الوقت الذي قضيناه في الطريق بين البليدة والشريعة وأنت تتملقني".

تذكرت هذه الحادثة، التي يؤكد أكثر من واحد أنها وقعت بالفعل، وأنا أستمع لطلبة الماجستير، تخصص تشريعات إعلامية، وهم يناقشون في الأسباب التي تجعل بعض الصحفيين الجزائريين يتغاضون عن أخلاقيات المهنة ويضعون أنفسهم، حتى بدون مقابل ودون أن يطلب منهم ذلك، في خدمة السلطة، مما يجعل مقالاتهم وتقاريرهم الصحفية تفتقد للكثير من الموضوعية.

بتذكري للحادثة، قلت للطلبة إن الأمر يتعلق بالقابلية للخدمة، فقد تحدث مالك بن نبي عن القابلية للاستعمار ولا شك انه في غياب الاستعمار فإن تلك القابلية تتحول إلى قابلية للركوع أمام كل من يملك شيء من السلطة.

التقرب من أهل السلطة هو الذي جعل مجاهدا ودكتورا عائدا من أمريكا يكذب على المواطنين عندما كان يؤكد، في كل تدخلاته في التلفزيون الجزائري، بأن دول العالم كلها ضربتها الأزمة الاقتصادية إلا الجزائر وذلك بفضل السياسة الحكيمة التي انتهجتها القيادة السياسية. في تلك المرحلة، كانت دول العالم تعيش في سكينة ووحدها الجزائر كانت تغرق في أزمات متعددة انتهت بأزمة أمنية كادت تقضي عليها.

في الجزائر دائما، قصدني، من أكثر من عشر سنوات، أستاذ جامعي يطلب مني التدخل لدى أستاذ آخر، هو صديق لي، كي يقدم تقريرا إيجابيا حول مذكرة ماجستير قدمها دبلوماسي عربي؛ ولما سألت صديقي الأستاذ عن الأسباب التي جعلته يقدم تقريرا سلبيا عن المذكرة، اكتفى بان ذكر لي عنوانها والذي يتناول إحدى القضايا الكبيرة في فكر أمير البلد الذي يمثله ذلك الدبلوماسي. الغريب في الأمر هنا، هو أن الأمير، صاحب الفكر الذي كان محل مذكرة ماجستير، كان أميا لا يعرف القراءة ولا الكتابة، فمن أين له بفكر يصلح ليكون مادة لبحث في مستوى مذكرة ماجستير بجامعة جزائرية.

عشرات الوقائع والأحداث التي تؤكد ميل النخب العربية للهرولة نحو الواقف الذي قد يكون أي شيء من الوزير إلى رئيس البلدية مرورا بكل حامل للقبعة.

القابلية للخدمة هي في نفس الوقت القابلية "للتمرميد" في أوحال الفساد، لأن الأمر لا يقتصر على المدح والتملق، بل يمتد أحيانا إلى التزوير وتجاوز القانون وتطبيق تعليمات لا تستند لأية نصوص. مثقفو مصر، الذين سايروا النظام وتملقوا رجاله، هم الآن في وضعية جد سيئة لأن القول أصبحت له ذاكرة. في الزمن السابق كانت الذاكرة الوحيدة الموجودة هي ذاكرة البشر، وهذه يصيبها التعب والنسيان، أو تندثر بالموت، أما اليوم، فإن كل ما يكتب ويقال يحفظ في شبكة الانترنيت، وعليه لم يعد بإمكان أي كان أن يقول لاحقا بأنه لم يتملق أو لم يمدح أو لم ينبطح أرضا. اذكر هنا كيف أن شاعرا جزائريا يقال إنه استقبل الرئيس الفرنسي ديغول لدى زيارته، أيام الاحتلال، للجزائر بألفية يمدحه فيها ويقول في مطلعها: "لكل زمان يا ديغول رسول وأنت رسول هذا الزمان". هذا الشاعر، لما سئل، بسنوات طويلة بعد استعادة السيادة الوطنية، عن تلك القصيدة، نفى أن يكون قائلها وتحدى كل من يأتي بها مكتوبة بخطه أو منطوقة بلسانه. طبعا، لا أحد عثر على القصيدة لأن أرشيف الإذاعة، المتعلق بفترة الاحتلال، كان تعرض للحرق ببراقي.

إذن لقد أصبح لكل ما يقال في وسائل الاتصال ذاكرة بحجم قارة، وهي لا تمحى ولا تزول ولعل ما يؤسف له هو أن هذه القارة الافتراضية تحمل الكثير من المكتوب والمنطوق من نوع "رسول هذا الزمان".

المفروض في الجامعي إنه الضوء الذي ينير، بآرائه وأفكاره ومعلوماته، الطريق أمام رجال السلطة وكذلك أفراد المجتمع، لكن الذي يحدث في المنطقة العربية هو أن النخب المتعلمة فشلت في قيادة مجتمعاتها نحو الحداثة والتطور لأنها تميزت باستمرار بذلك الميل الطبيعي للخدمة مما يجعلها مكروهة ومنبوذة من المواطنين.

هذا الوضع هو جد خطير على مستقبل المنطقة كلها لأن تحول النخب المثقفة إلى مجرد كم من المداحين يجعل البلدان العربية تفرغ من أهم ما يجب أن يكون فيها وهو الفكر النقدي المستنير، مما يفتح أبواب السلطة أمام الانتهازيين والوصوليين والصامتين على المنكر والفساد.

 

 

 

Retour à l'accueil
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article