Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog

تهتم بقضايا البحث الأكاديمي، وإعادة نشر مقالات الأستاذ أحمد عظيمي وكذلك الترويج للقضايا الفكرية التي تخدم الأمة العربية

كل سنة والعرب بخير! ‏‎‎

 

 

كل سنة والعرب بخير  !

 

(نشر في جريدة صوت الأحرار يوم 02/01/2011)

حلت أول أمس، سنة جديدة من التقويم الميلادي. في الدول الغربية، جرت العادة أن تقوم كل المؤسسات إنجازاتها بالنسبة للسنة المنتهية مبرزة الجوانب الإيجابية ومحددة السلبيات وأسبابها؛ كما تضع، قبل حلول السنة، برنامج أعبائها للسنة الجديدة وهو البرنامج الذي يدخل في إطار مخطط معد مسبقا للمؤسسة.

التقييم عندهم يتم بكل موضوعية، إذ لا يمكن تصور وجود أي نوع من المحاباة أو التزلف أو حتى الخوف من المسؤول الأول عن المؤسسة. الكل، عندهم، يعمل حسب ما تمليه عليه القوانين، ولا أحد يخشى أي احد عندما يدل على الأسباب الكامنة وراء أي تعطل أو سوء في الإنجاز.

المسؤول، عندهم، يعين بناء على كفاءته وعلى برنامج أعباء  يكلف بتنفيذه ويحاسب دوريا على ما أنجزه وعلى ما لم ينجزه؛ هو لا يتصرف كإله صغير يملك كل الحقوق ويسير المؤسسة وكأنها مال مشاعا، بل يحاسب على كل سنتيم يصرفه وفي ماذا صرفه.

هكذا يسيرون مؤسساتهم، ولهذا يسجلون النجاحات تلو الأخرى. فأين العالم العربي من هذا؟

لعل أكثر ما يعطل المؤسسة في العالم العربي هو أن المسير، مهما كان مستواه، لا يقبل النقد ولا يسمح بتقييم إنجازاته تقييما موضوعيا وعقلانيا. هذا السلوك، المتوحش في التسيير، هو من الأسباب الرئيسية التي تعطل المؤسسات، في العالم العربي، وتجعلها تتأخر عن مسايرة التطور.

إضافة إلى الطبيعة المزاجية للمسؤول، فإن هذا الأخير لا يولي أية قيمة للوقت .يكفي متابعة النشاطات الرسمية للقادة والوزراء العرب، لنلاحظ كيف يهدرون وقتهم ووقت أمتهم.

مظاهر التبذير لأهم ثروة في هذا الزمن وهي الوقت، تجعل المواطن العربي الذي له شيء من الإحساس بقيمة هذه الثروة يصاب بالغثيان.

الوقت، في زمننا هذا، أصبحت له قيمة إستراتيجية، بحيث تحول إلى أهم ثروة في العالم. إن أردت أن تعطل أمة فاجعلها تبدد وقتها بنفسها. هذا ما أدخلوا فيه الجزائر عندما جعلوا فئة من أبنائها تحمل السلاح وتتمرد ضد الدولة. أكثر من عشر سنوات ضيعتها الجزائر في مواجهة الأزمة الأمنية وهي سنوات ضاعت كلها دون أن نستفيد منها في بناء أنفسنا. عشر سنوات، في زمننا هذا، قد تساوي قرنا من الزمن مما كانوا، في السابق، يعدون.

التطور يسير في قرننا هذا بشكل سريع ومن لا يواكب التطور ويتطور معه فإنه يبقى بعيدا بقرون من الحضارة عن مؤخرة عالم يندفع بقوة كبيرة نحو الأمام .

الغريب، في أمر العالم العربي إنه يجلب آخر التكنولوجيات المخترعة والمصنعة في الخارج ليس للاستفادة منها لحل مشاكل  المواطنين وإطلاق عملية التنمية بل لاستعمالها في تبديد المزيد من الوقت. الأمثلة على ذلك عديدة، ففي مجال التلفزيون مثلا، يخسر العرب الملايين من الدولارات لإنشاء قنوات لا تفيد في شيء، بحيث يتساءل المرء أحيانا بأي عقل يفكر هؤلاء الذين أنشؤوا قناة تبث على مدار اليوم صورا لإبل تجري وأناس يتبعونها، كالأطفال، بسيارات الدفع الرباعية. أو تلك القناة التي يرقي صاحبها على المباشر لكل من أصيب بمس من الجن أو له مشاكل نفسية. أو الذين أنشئوا للشعر قناة تبث كلاما لأناس يقضون الساعات الطويلة في جلسات الاستماع. أو غيرهم، الذين أطلقوا من عدة سنوات قناة لأحصنة السباق.

الوقت، يبدد أيضا وبلا حساب في الزيارات الرسمية بحيث يجبرون سكان المدينة على الخروج على بكرة أبيهم، كما يقول أساتذة اللغة العربية، والوقوف لساعات طويلة على قارعة الطريق لاستقبال هذا الرئيس أو ذاك الملك. صور من الأزمنة الغابرة تبث، بكل اعتزاز وفخر، على القنوات التلفزيونية العربية بالساعات دون أن يدروا بأن هذه الصور وهذه المظاهر هي تعبير خالص عن التخلف بكل أشكاله. تخلف من الحاكم الذي يتصور أنه معبود الجماهير وان الناس يخرجون حبا فيه؛ وتخلف من الآلاف من الناس الذين يصرخون بشكل هستيري أمام كاميرات التلفزيون.

قلت أعلاه، أن للوقت قيمة إستراتيجية، مثله مثل البترول أو أية ثروة أخرى ومثلما يبددون الوقت فهم يبددون أيضا ثرواتهم في التطاول في البناء أو استيراد آخر أنواع السيارات والمأكولات ..

بعض العرب يفخرون بميزانياتهم المنتفخة وبالأموال الطائلة التي يصرفونها في استيراد سلع وكماليات. الملايير من الدولارات تهدر دون التفكير في التخطيط لإعادة إنتاج الثروة.

يتنافسون بين بعضهم البعض بالأبراج العالية وبالمنجزات في مجال الخدمات والاستيراد دون أن يدروا بأن كل ذلك هو تبديد للثروة.

لقد منح الله هذه المنطقة ثروات باطنية لم يعرف أهلها كيف يستثمرونها ويحولونها إلى ثروة منتجة. ماذا تعمل هذه الحكومات أكثر من إنها تأتي بشركات أجنبية لتستخرج لها البترول وتشحنه على مراكب أجنبية إلى السوق الدولية مقابل أكوام من الدولارات تدفعها لشركات أجنبية أخرى تقوم بإنجاز أكبر المشاريع الخدماتية. أين العبقرية العربية في كل هذا؟ وأين الثروة التي أنتجت مما استنزف من ثروات باطنية غير متجددة؟

إنها أمة، حباها الله بكل شيء، من المعادن إلى الطاقة الشمسية إلى الموقع الاستراتيجي إلى الرسالة المحمدية الحاملة لتصور راق عن مجتمع عادل .. لكن يبدو أنها تفتقد للأهم: الرشاد في تسيير أمورها.

وكل سنة والعرب بخير

 

Retour à l'accueil
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article