Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog

تهتم بقضايا البحث الأكاديمي، وإعادة نشر مقالات الأستاذ أحمد عظيمي وكذلك الترويج للقضايا الفكرية التي تخدم الأمة العربية

الدعاء الرقمي

   الدعاء الرقمي

 

 

 

(نشر بجريدة صوت الأحرار الجزائرية:   30   مارس 2009 )

لا أذكر أين قرأت عن ذلك الحاكم العام الفرنسي للجزائر أيام الاحتلال، الذي كان يقول لزواره من الصحفيين والأوروبيين الذين يأتون إلى بلدنا لأول مرة بأن فرنسا قضت على كل المقاومات الجزائرية ولم يبق أمامها سوى جنرالا واحدا؛ وأمام تعجب الأوروبيين من وجود هذا "الجنرال" الجزائري، يخرج الحاكم العام الفرنسي نسخة من المصحف الكريم من درج مكتبه ويريهم إياها قائلا: هذا هو الجنرال المتبقي ويوم نقضي عليه سنضمن البقاء الأبدي لفرنسا فوق هذه الأرض.

"الجنرال" قرآن هو فعلا من حمى الجزائر من البقاء الأبدي لفرنسا في الجزائر. الجزائريون، عندما فقدوا كل شيء ولم يعد لهم أي منقذ من الإبادة والتعذيب والحقرة بكل أنواعها، تكتلوا حول "الجنرال" قرآن. كان لكل قرية من قرى الجزائر جامعها الذي يذهب إليه الأطفال الصغار لتعلم القرآن الكريم.

الجامع الصغير المتواضع المبني عادة بوسائل بدائية واجه الكنائس الجميلة التي كانت تجد كل الدعم من السلطات الاستعمارية وتغلب عليها. أصوات الصبية وهي تحفظ بصوت مرتفع آيات القرآن الكريم المكتوبة بالصمغ على الألواح الخشبية كانت أجمل وأنقى من أصوات أجراس الكنائس، وكانت تصل بسهولة إلى آذان أبناء القرية وتطهر أرواحهم. النسوة عندما كن يمررن بالقرب من الجامع تثقلن الخطوة وأحيانا تتوقفن على بعد معين منه للاستماع لأصوات أبنائهن وهم يرتلون كلام الله.

كلام الله، كان بلسما ساعد الجزائريين على الصبر والتحمل، وساهم في إنقاذ الشعب الجزائري من التمسح والذوبان في الآخر.

في ذلك الزمن كان الشعب الجزائري يعيش دينه بكل بساطة ودون أية تعقيدات، ولما انطلقت الثورة التحريرية استجاب مئات الآلاف لندائها مؤمنين بأن الدين الحق يحث على الجهاد ضد المحتل الأجنبي كما يحث على التميز بالأخلاق العالية والتضحية من أجل الآخرين والعمل الجاد.. هكذا كان مفهوم الإسلام لدى الجزائريين.

تلك كانت صورة من ماض عمره حوالي نصف قرن من الزمن. ورغم أن المدة (نصف قرن) قصيرة نسبيا إلا أنها عرفت تغييرات جوهرية.

تكنولوجيات الاتصال تسير بوتيرة لم تعرف البشرية مثيلا لها من قبل. العالم الغربي الذي بني حضارة تعتمد أساسا على ربح الوقت والجهد يدخل باستمرار تحسينات تخدم البشرية وتسهل البحث العلمي وتبسط الأمور المعقدة، الخ.

في الوقت الذي كان ينتظر فيه أن تستعمل هذه التكنولوجيات من طرف الشعوب العربية لتطوير أداء إدارتها وتحسين التعليم ورفع مستوى الوعي لدى المواطنين والسير نحو ترشيد الحكم وغير ذلك من مختلف القطاعات التي تعاني كلها من التخلف. في هذا الوقت نلاحظ كيف تحول هذه التكنولوجيات، خاصة الأسطوانات المضغوطة وشبكة الانترنيت والبث التلفزي عبر الأقمار الصناعية، لتنويم العرب والمسلمين وإبعادهم عن مركز الإشعاع العلمي ليبقوا مجرد كم مهمل على هامش العالم.

يوميا يتلقى مستعملو الانترنيت رسائل إلكترونية تحمل أدعية يطلب من المرسل إليه قراءتها كذا مرة ثم إرسالها لكذا شخص وبهذا يتحقق له ما يتمناه، وإن أهمل ذلك فأنه سيتعرض لمكروه؛ ويؤكد أصحاب الرسائل باستمرار بان هذه الطريقة صحيحة ومجربة، وهناك الآلاف من الذين تحققت مطالبهم بمجرد القيام بما طلب منهم.. رسائل أخرى عديدة، تحاول تفسير ما هو مفسر وتأكيد ما لا يدعو إلى أي تأكيد. إنها رسائل يعمل أصحابها على إقناع الناس بوجود الله وكأنه جل جلاله في حاجة إلى هؤلاء ليثبتوا وجوده بوسائل وأفكار تافهة: يلتقطون أحيانا صورة تفاحة وأحيانا أخرى حبة بطاطس أو بصل ويقولون أن أسم الجلالة مكتوب عليها. إنهم يبذرون الكثير من الوقت والجهد، ويستعملون آخر التكنولوجيات، للحديث عما هو معروف ومؤكد.

هذه الرسائل، تصيب كل ذي ضمير حي بالإحباط الشديد، فمعظم الذين يعيدون نسخها وإرسالها هم طلبة جامعيون، بعضهم في مستوى الماجستير، فهي بذلك تعبر عن المستوى الفكري الذي يسود في مجتمعنا وفي جامعاتنا بالخصوص. كيف يعقل أن يصدق الطالب الجامعي أن بالدعاء وحده تتحقق المقاصد وتلبى المطالب؟ وإذا كان هذا حال النخبة فكيف يكون وضع العامة من الناس الذين لم تمكنهم الظروف من التعليم الجامعي؟

الطالب الجامعي كان عبر السنين، في الجزائر وفي غيرها من دول العالم، ذلك الإنسان الأكثر تفتحا على الأفكار الجديدة، والمقبل على الحياة، والمؤمن بالمنطق، والرافض لكل ما من شأنه أن يتناقض والعقل. الطالب الجامعي هو الضمير الحي للمجتمع، يواجه الظلم ويرفض الاستكانة والأفكار الجاهزة، ولا يصدق ما يقال له إلا بعد التحليل والفحص.

المؤسف أن بعض طلبة اليوم يقومون بالترويج للدعاء بدل العلم، فلو كانت الأمور تقضى بالدعاء لما بذلت البشرية أي مجهود ولاستكانت إلى الراحة متوجهة إلى الله تعالى طالبة منه تلبية رغباتها. إن الآية الكريمة واضحة جدا، فالله جل جلاله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، كما أن الله تعالى يفضل الأمة الكافرة إن عدلت على الأمة الظالم أهلها حتى ولو آمنوا. وهل هناك ما هو أكثر وضوحا وأكثر صدقا من كلامه العزيز؟

إنها ليست مجرد حالات نادرة بل هي ظاهرة اجتماعية تتطلب التوقف عندها ودراستها، فمستعملي الشبكة تصلهم باستمرار رسائل من هذا النوع مما يعني أن هناك إرادة لتنويم هذه الأمة العربية أكثر مما هي نائمة. إرادة تريد تحويل القرآن الكريم من "جنرال" يؤسمنت (من إسمنت) المؤمنين ويحميهم من الذوبان إلى مجرد "كابران" منفذ لأوامر لا يعرف مصدرها ولا يفهم أبعادها. لعلها نفس الإرادة التي كانت تفتي بجواز قتل كل من يحمل فكرا مخالفا أو ينظر إلى الأمور بطريقة تختلف عن الطرح السلفي.

الغريب أن هذا المنحى الذي يتخذه ديننا الإسلامي ليس خاصا بالجزائر كما أنه ليس منتوجا جزائريا، فتكنولوجيات الاتصال، هذا الفضاء الرائع الذي يستعمل في جهات أخرى من العالم في حل المشاكل المستقبلية، يستغل من طرف البعض لنشر فكر متخلف يدعو المؤمن إلى الاكتفاء بالدعاء والصلاة. عشرات القنوات التلفزيونية التي ترفع شعار الإسلام، تلقح على مدار اليوم آلاف المؤمنين في كل أنحاء العالم الإسلامي بجرعات الاتكال والخمول والخنوع، كما تقدم لهم فهما خاطئا ومغلطا للكثير من أمور الدنيا والدين، فمن القناة التي يرقي صاحبها على المباشر إلى قناة "إقرأ" التي كانت طوال أيام العدوان الإسرائيلي على غزة تدعو الله أن يدمر إسرائيل، وتطلب من المسلمين الإكثار من الصلاة والدعاء ولم نسمعها تدعو ولو مرة واحدة الحكام العرب إلى تنفيذ أحكام القرآن الكريم.. أليس بهذه الطريقة يقدم هؤلاء القوم أكبر خدمة لإسرائيل؟   

Retour à l'accueil
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article