Overblog
Editer l'article Suivre ce blog Administration + Créer mon blog

تهتم بقضايا البحث الأكاديمي، وإعادة نشر مقالات الأستاذ أحمد عظيمي وكذلك الترويج للقضايا الفكرية التي تخدم الأمة العربية

دور المعارضة في بناء الديمقراطية في الجزائر

دور المعارضة في بناء الديمقراطية في الجزائر

 

(محاضرة قدمها الدكتور أحمد عظيمي في إطار فعاليات اليوم البرلماني المنظم من طرف المجموعة البرلمانية للجبهة الوطنية الجزائرية بالمجلس الشعبي الوطني، حول دور المعارضة في بناء الديمقراطية في الجزائر:  28 جانفي 2010)

نشرت ضمن منشورات المجلس الشعبي الوطني

 

 

المحتوى

 

المقدمة

1- تحديد المفاهيم

1-1- مفهوم العارضة

1-2- مفهوم الديمقراطية

2- ظهور وتطور المعارضة السياسية بالجزائر

2-1- المرحلة الأولى: 1926-1955

2-2- المرحلة الثانية: 1963-1989

2-3- المرحلة الثالثة: 1989- 2010

3- رأي (ليس تقييما) لأداء المعارضة السياسية في الجزائر

4- العلاقة بين المعارضة والسلطة السياسية

5- كيف تساهم المعارضة في بناء الديمقراطية؟

5-1- صيانة الوحدة الوطنية

5-2- مواجهة التوترات الاجتماعية والعقائدية

5-3- بناء الرموز الإيجابية

5-4- تجنيد (تعبئة) الرأي العام

5-5- المساهمة في التنمية

5-6- ملء الفراغ الاتصالي

5-7- جعل السلطة وسيلة وليس غاية

الخاتمة

 -----------------


 

مقدمة

أسمحوا لي في البداية، وكمقدمة، أن أعرض عليكم خمس صور من صور الديمقراطية وعلاقتها بالمعارضة.

من سنوات، تابعت على قناة البرلمان الفرنسي زيارة أطفال متمدرسين إلى مبنى البرلمان. رئيس البرلمان وكان من اليمين، وهو يستقبل الأطفال في قاعة الاجتماعات، راح يشرح لهم كيف يدير جلسات البرلمان، عندما قال له أحد التلاميذ: "طبعا، الليبيراليون يجلسون على اليمين واليساريون يجلسون على اليسار"، وكان رد الرئيس: "نعم، وهي المشاجرة Oui, et c’est la bagarre  " قبل أن ينتبه بأنه تلفظ بكلمة ما كان له أن يقولها، فعاد ليقول للطفل الذي سأله: "أنا لا أقصد بالمشاجرة ممارسة العنف، لا ليس ذلك قصدي، إنما هي مشاجرة فكرية. نحن نتناقش للدفاع عن أفكارنا، وهم فرنسيون مثلنا. إنهم ليسو أقل وطنية منا". هذه الصورة الأولى: المعارضون ليسوا أقل وطنية من الذين هم في السلطة.

في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، كانت القناة الثانية الفرنسية تخصص بضع دقائق بعد نشرة الواحد زوالا لمناقشة قضية من القضايا الموجود حولها خلاف على الساحة الفرنسية، وكان أن أستضاف مقدم النشرة الإخبارية، بول عمار، وهو نجم كبير في القناة، على بلاتوه النشرة، متنافسين سياسيين أحدهما من اليمين المتطرف والآخر من اليسار، لمناقشة إحدى القضايا السياسية. قبل بدء النقاش، أخرج بول عمار زوجين من قفازي الملاكمة أحدهما باللون الأحمر سلمه لليساري والآخر باللون الأزرق سلمه لليميني وقال لهما تفضلا المجال مفتوح لكما فتصارعا. بمجرد أن انتهت النشرة الإخبارية، قامت ضجة كبيرة في فرنسا كلها شاركت فيها كل الأطياف السياسية والجمعيات الثقافية والفنية وكذلك الشخصيات الأدبية والفكرية. الكل اعتبر اللقطة مهينة للفكر وللنقاش وللاختلاف، إذ لا يعقل أن يستعمل العنف في مجالات السياسة والفكر. أمام غضب النخبة السياسية والثقافية، اضطرت القناة إلى معاقبة مقدم النشرة الذي تقدم بدوره باعتذار إلى المشاهدين على تصرفه الغير أخلاقي. هذه الصورة الثانية: لا عنف في النقاش. من حق كل مواطن أن يدلي برأيه لكن بشرط أن يتم ذلك في إطار الاحترام والهدوء.

في فرنسا دائما، بحكم محتوى القانون الدستوري الصادر في جويلية 2008، يخصص البرلمان يوما في الشهر لدراسة جدول أعمال من وضع كتل المعارضة وكتل الأقلية في البرلمان؛ وقد سبق ذلك إدخال تجديد، سنة 2007، على القوانين المسيرة للبرلمان بإسناد رئاسة لجنة المالية للجمعية العامة لنائب من المعارضة. هذه الصورة الثالثة: المعارضة لا تقمع بل توفر لها مجالات، بحكم القانون، لتمارس نشاطها ومراقبتها لعمل الحكومة.

في بريطانيا، يوجد منصب سياسي هام يمنح لزعيم المعارضة ويسمى بمعارض صاحبة الجلالة. (« chef de l’opposition à Sa majesté ». لأن الملكة لا تتصور أن يعيش الناس في مملكتها دون أن يكون لهم حق المعارضة. هذه الصورة الرابعة: المعارض له قيمة واعتبار فهو ليس بالخائن أو المرتد إنما هو يرى الأمور بنظرة مختلفة ويسعى مثل الذي هو في السلطة إلى خدمة بلده.

في الجزائر، شاهدت، في إحدى الحصص التلفزيونية، أحدهم يشير بأصبع الاتهام لرئيس حزب في المعارضة قائلا له: أنتم تريدون الوصول على السلطة. هذه الصورة الخامسة: ممنوع التفكير في الوصول إلى السلطة، مع أن ذلك هو علة وجود أي حزب سياسي. وإلا تحول إلى مجرد جمعية خيرية.

بهذه الصور الخمس ندخل موضوعنا الذي لا بد أن نبدأه بتحديد سريع للمفاهيم.

 

1- تحديد المفاهيم

لن نتعرض  طويلا للنظريات ولا للآراء المختلفة حول الموضوع بل سنحاول فقط تحديد بعض المفاهيم في إطار ما يخدم هذه المداخلة

1-1- مفهوم العارضة:

تعتبر الأحزاب  من المفاهيم السياسية الحديثة، وهي بذلك ناتج من نتائج الديمقراطية ومبدأ سيادة الشعب، ويعرف الحزب على انه : تجمع أو تنظيم يضم مجموعة من الأشخاص يعتنقون نفس المبادئ الأساسية، أو يسود بينهم اتفاق عام حول أهداف سياسية معينة،  يعملون على تحقيقها، ويسعون إلى ضمان تأثيرهم الفعال على إدارة الشؤون السياسية في الدولة، يخوضون المعارك الانتخابية على أمل الحصول على المناصب الحكومية أو تسلم إدارة دفة الحكم.

الأحزاب السياسية، هي في الأنظمة الديمقراطية، ركيزة لحياة السياسية، إذ لا يمكن تصور وجود نظام ديمقراطي بدون أحزاب سياسية تتمتع بكل الحرية في ممارسة نشاطاتها السياسية بما في ذلك مراقبة عمل الحكومة من خلال ممثليها في البرلمان والهيئات المنتخبة، وتوجيه النقد لها وإظهار أخطائها للرأي العام. فالأحزاب إما أن تكون إذن في المعارضة فتلعب دور المراقبة والمحاسبة على الحزب الحاكم أو في الحكومة فتعمل على تنفيذ برنامجها الذي انتخبت من أجله.

جل الدساتير والقوانين المعمول بها في الأنظمة الديمقراطية تفرض على الأحزاب السياسية، سواء كانت في السلطة أو في المعارضة، مجموعة من الشروط والالتزامات والتي منها: احترام قواعد النظام الديمقراطي، احترام الرأي الآخر وحقوق الإنسان، العمل على دعم وإدامة دولة القانون والمؤسسات الدستورية، عدم اللجوء إلى العنف اللفظي والفكري بكل أشكاله.

 

1-2- مفهوم الديمقراطية، توجد العديد من الآراء والتعاريف التي تقدم للديمقراطية، لكننا اخترنا عن قصد التعريف التالي الذي نراه كاملا وشاملا: "صيغة لإدارة الصراع في المجتمع بوسائل سلمية، من خلال قواعد وأسس متفق عليها سلفا بين جميع الأطراف، تضمن تداول السلطة بين الجميع من خلال انتخابات دورية حرة ونزيهة".

الديمقراطية بمعناها الواسع، هي مشاركة الشعب في اتخاذ القرار، ومراقبة تنفيذه، والمحاسبة علي نتائجه. لكني أود أن أؤكد هنا على أن المفهوم واحد وإن تعددت الأسماء: ديمقراطية اشتراكية، ديمقراطية شوراتية، تشاركية .. كما أن هذه الديمقراطية، أي هذا المستوى الذي بلغه جزء من البشرية في تسيير شؤونه، ليس ملكا للغربيين بل تراث إنساني بدأ منذ أن وجدت القبيلة ثم المدينة وتطور مع ظهور الحضارات المختلفة ليصل إلى الشكل الذي هو عليه الآن، ومن نافلة القول أن الأمة الإسلامية شاركت ولعدة قرون بطريقتها في بلورة وبناء هذا النظام. الديمقراطية، في نظري، هي نتاج لتراكم تجارب إنسانية ولا يمكن أبدا أن نلفظها أو نرفضها بحجة أنها غربية ومن نتاج مجتمع غربي مختلف عن المجتمع الاسلامي.

الديمقراطية لا تتمثل فقط في التعددية الحزبية وفي إجراء انتخابات دورية لتشكيل البرلمان وإصدار صحف حزبية، كما أن التحول إلى الديمقراطية (أو السير نحو نظام ديمقراطي) لا يمكن أن يتم في فترة وجيزة وبدون ثقافة ديمقراطية، وهنا يبرز دور المعارضة في اختصار مدة التحول.

يرى البعض أن أوروبا احتاجت لعدة قرون لبناء النظام الديمقراطي وعليه فلا يجب التسرع بل السير نحو هذا الشكل من التنظيم السياسي بالكثير من التأني؛ ذلك ليس صحيحا، فقد دلت تجربة تحول دول أوروبا الشرقية نحو الديمقراطية أن الأمر يتعلق أساسا بمستوى النضج الفكري ومدى انتشار التعليم والوعي السياسي. دول أوروبا الشرقية، اختصرت المسافات وتمكنت بعضها من تحقيق التحول نحو الديمقراطية دون حدوث رجات كبيرة في المجتمع. تجربة هذه الدول تبين بأن الأمر يتعلق بقدر كبير بمدى توفر نخبة سياسية وفكرية مستنيرة وضاربة بحضورها في عمق المجتمع. هذه النخبة هي التي تحدث التغيير وتقود المجتمع نحو النظام الأفضل.

باختصار، يقع التحول نحو الديمقراطية عندما يتوفر نظام للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية ينظم:

-       العلاقات بين أفراد وطبقات المجتمع

-       العلاقات بين الدولة والمجتمع

-       العلاقات بين مؤسسات الدولة نفسها (تنفيذية، تشريعية، قضائية)

هذا التنظيم للعلاقات فى المجتمع وبين مؤسسات الدولة يفضي في النهاية إلي آلية التداول الحر على السلطة السياسية بطريقة سلمية.

 

2- ظهور وتطور المعارضة السياسية بالجزائر

لن نتعرض لتاريخ المعارضة السياسية الجزائرية، بل نذكر فقط المراحل التي مرت بها هذه المعارضة، وهي ثلاث:

2-1- المرحلة الأولى: 1926-1955، فقد ولدت المعارضة الجزائرية تحت نير الاحتلال، ووجدت من أجل المطالبة بالحقوق الأساسية للشعب الجزائري. مطالب المعارضة اختلفت، في هذه المرحلة، باختلاف المشارب الثقافية والفكرية وكذلك باختلاف الأحداث التاريخية: من المطالبة ببعض الحقوق إلى الاندماج إلى الاستقلال التام.

بدءا من 1954 غطى حدث الثورة على نشاطات الأحزاب السياسية خاصة بعد التحاق الكثير من مناضليها فرادى بالثورة التحريرية.

2-2- المرحلة الثانية: 1963-1989 وهي التي بدأت مع استعادة الجزائر لسيادتها الوطنية (1962)، حيث استندت السلطة السياسية إلى ما سمي وقتها بالشرعية الثورية وذلك حتى سنة 1976 بعدها جاءت مرحلة الشرعية الدستورية. رغم عدم اعتراف السلطة السياسية بالتعددية الحزبية إلا أن مجموعة من الأحزاب المعارضة نشأت، سواء داخل الجزائر أو في الخارج، وكانت تعمل في السرية كحزب القوى الاشتراكية وحزب الثورة الاشتراكية وبعض الجمعيات ذات الطابع الإسلامي وكذلك حزب الطليعة الاشتراكية الذي كان يعمل بمبدأ المساندة النقدية le soutien critique

2-3- المرحلة الثالثة: 1989- 2010، بدأت فعليا مع أحداث 5 أكتوبر 1988، التي كانت عبارة عن مظاهرات لأطفال المدارس الذين كانوا يعتدون على المقرات العمومية ومقرات حزب جبهة التحرير الوطني. مهما قيل عن هذه الأحداث فلا يمكن، في رأينا، أن توصف بثورة الديمقراطية، كما أراد البعض أن يصفها لأنه لا أحد طالب بالديمقراطية أو التعددية خلال الأيام الثلاثة الأولى من الأحداث كما أن لا أحد تبنى ما وقع.

بعد أحداث 5 أكتوبر 1988، بادرت السلطة إلى إقرار التعديدية السياسية طبقا لما جاء الدستور الجديد (فبراير 1989 ).

كملاحظ أقول: أن تبني اختيار التعددية جرى بالقليل من الجدية: 15 شخصا يلتقون فيؤسسون حزبا سرعان ما يمنح الاعتماد القانوني ومعه اعتمادات مالية من الحكومة. في مدة قصيرة بلغ تعداد الأحزاب ستين (60 ) حزبا.

هذه الأحزاب ولدت من أزمة وترعرعت في أزمة سياسية وأمنية، إضافة إلى وجود أحزاب كانت تهدد باستعمال السلاح وترفض تقبل الآخر وترى بأن الديمقراطية كفر وتدعي بامتلاك الحقيقة الكاملة، مما يعتبر اغتيالا، في حد ذاته، للديمقراطية.

الأزمتين، السياسية والأمنية، لم تسهلا عملية الانتقال إلى الديمقراطية أو حتى السير، ولو بخطى وئيدة نحو هذا المنحى، وعليه فلا نستطيع الحديث اليوم عن دور للمعارضة في بناء الديمقراطية لأنها لم تتكون ولم تنمو وتبرز في جو سليم وعاد.

لن نقيم دور المعارضة السياسية في بناء الديمقراطية في الجزائر بل سنحاول أن نقدم رأيا في أداء هذه المعارضة.

3- رأي (ليس تقييما) لأداء المعارضة السياسية في الجزائر

إذن، الوضع الأمني الذي مرت به الجزائر لم يكن مساعدا لا للأحزاب التي هي في السلطة ولا لأحزاب المعارضة لممارسة نشاطها السياسي والحزبي في جو نقي وصاف ومساعد.

ولم نصل بعدُ إلى تقييم التجربة الديمقراطية لعدم ترسب الحد الأدنى من الرصيد الصالح للتقييم. أسباب عديدة تدخلت لتحرم المعارضة من المشاركة الفعلية في إحداث التحول نحو الديمقراطية نذكر من هذه الأسباب:

-       ولادة الكثير من الأحزاب السياسية كانت قيصرية وبدون توفر جو سليم للنمو العادي.

-       تقلص فضاءات التعبير، على الساحة السياسية وداخل الأحزاب،

-       تآكل أرصدة بعض الأحزاب السياسية بسبب مشاركتها في تسيير الشأن العام نظرا لقلة التجربة

-       فشل الكثير من الأحزاب في تقديم برنامج واضح ومحدد

-       افتقاد القدرة على التجديد والتغيير السياسيين والتعبئة وبلورة مواقف سياسية تخدم رصيد الحزب،

-       الغياب التام لبعض الأحزاب عن الساحة السياسية والظهور فقط أيام الحملات الانتخابية.

كما أن طبيعة العلاقة بين المعارضة والسلطة السياسية جعلت الأولى لا تتحول إلى قوة دفع واقتراح وتغيير إيجابي في المجتمع.

 

4- العلاقة بين المعارضة والسلطة السياسية

تحرص الأنظمة السياسية في الدول المتقدمة في مجال الممارسة الديمقراطية على تكريس دور المعارضة ورعايته وتطويره كونه يشكل دعامة أساسية لحماية النظام السياسي من الاعوجاج

النظام السياسي يستمد الشرعية من قدرة المؤسسات الحكومية على القيام بوظائف معينة، كالدفاع عن أمن المجتمع وتوفير وسائل العيش، بينما المعارضة تستمد الشرعية من القدرة على التجنيد والاقتراح. تجنيد الرأي العام حول برامجها واقتراح حلول جديدة وجدية ومنطقية للمشاكل القائمة والتي تعجز السلطة عن مواجهتها.

إذا كان دور المعارضة في الأنظمة السياسية الديمقراطية هو مراقبة صنّاع القرار السياسي ومدى نجاحهم أو إخفاقهم على الأرض فأنها تقوم بدور الأضواء الكاشفة بالنسبة للسائق في الليلة المظلمة وغياب المعارضة يعني فيما يعنيه استئثارا بالحكم من قبل حركة أو كتلة أو حزب سياسي أو شخص واحد.

وفي أحيان كثيرة تشكل المعارضة حكومة ظل داعمة للحكومة الأصل، وهنا نلاحظ أن وجود معارضة قوية يعطي قدرة كبيرة للنظام السياسي على المناورة مع الدول الكبرى التي لما تدرك بأن طبيعة الحكم هي فردية فأنها تفرض شروطها وقيودها على هذا النوع من الحكام.

عدم وجود معارضة بناءة وحاملة لاقتراحات ومشاريع تجديدية –أو تهميش المعارضة- هو أخطر على مستقبل الدولة من وجود معارضة قوية للسلطة الحاكمة. كما أن المعارضة القوية تؤدي إلى وجود نظام قوي لأن السلطة تتأقلم مع المعارضة القوية أو تبتعد تاركة لها المجال لتنفيذ برامجها على أن تعود فيما بعد وهي أكثر قوة. الابتعاد عن السلطة يفيد الأحزاب التي بقت طويلا في الحكم لأن فترة الابتعاد تستغل في إعادة بناء الحزب وتقديم اقتراحات جديدة والنظر إلى الأمور من خارج الحكم.

 

5- كيف تساهم المعارضة في بناء الديمقراطية؟ الجزائر تمر بمرحلة ما بعد الإرهاب وهي مرحلة تتطلب تجندا أوسع لكل طاقات الأمة. لأن الإرهاب ليس ممارسة فقط بل هو بالأساس فكرة يجب أن تجتث نهائيا من المجتمع. النقاش وكذلك الاختلاف في القضايا الأساسية لا بد يتما في إطار سلمي مع احترام كل الاختلافات التي يسمح لها بالتعبير عن رأيها في إطار القانون.

النخب مع المعارضة السياسية يمكنها المساهمة وبقوة في إعادة "تشكيل" المجتمع وتقديم الاقتراحات البناءة وخلق فضاء فكري تناقش في إطاره كل القضايا المطروحة على الساحة الوطنية.

لابد من الإشارة إلى أنه لا يكن أن تحل أية قوة أخرى محل المعارضة السياسية الواعية والبناءة. التفكير في إيجاد آليات أخرى، أو العودة إلى أنماط من التنظيمات القديمة والتقليدية قد يحمل في طياته الكثير من الأخطار الخفية التي لا يمكن التكهن بها في الوقت الحالي.

مما سبق نستنتج أن المعارضة السياسية تستطيع أن تساهم في الوقت الحالي في المجالات التالية:

 

5-1- صيانة الوحدة الوطنية، فما يجري حاليا في العالم العربي من تفتيت لدول وكيانات قائمة منذ مئات السنين (العراق، السودان، اليمن، نيجيريا..) ينبئ بأن هناك خططا تستهدف الدول الكبرى في المنطقة (الجزائر دولة كبرى) لتفتيتها وتحويلها إلى دويلات فاقدة لأسس التطور والتأثير في المنطقة، مما يجعل صيانة الوحدة الوطنية من خلال تعريف المواطنين بالرموز الوطنية الإيجابية واستغلال حماس الشباب ورغبته في بناء وطنه لدعم كل ما من شأنه أن يوثق عرى اللحمة الوطنية. هذا المسعى يتطلب مجهودا كبيرا من طرف كل القوى الوطنية التي عليها أن تدرك بأن الوحدة الوطنية ليست بالثابت والأبدي فالولاءات الإتنية والعروشية والقبلية والجهوية تجد مرتعها دائما في المجتمعات التي لا تتوفر على حيز كبير من حرية التفكير والتعبير وعلى رموز وطنية تستقطب حولها تطلعات الشباب. نلاحظ أن نظام البعث في العراق كان يسيطر على الأوضاع سيطرة تامة وبمجرد أن سقط عاد الشعب العراقي إلى الطائفية وكأن الكل كان ينتظر الفرصة المناسبة للانقضاض على الكل.

5-2- مواجهة التوترات الاجتماعية والعقائدية: يقول برهان غليون أنه من المستحيل التقدم نحو الديمقراطية من دون إيجاد مخرج من التناقضات الاجتماعية العميقة التي تخلق بؤر الاحتجاج الشامل .. ومن التوترات العقائدية العميقة التي تشق المجتمع السياسي والمدني معا. لا بد من تجاوز الاقتتال الإيديولوجي لصالح التسوية السياسية.

رأينا كيف استمدت بعض المعارضات السياسية المتطرفة شرعيتها من عمق التناقضات والتوترات الاجتماعية والسياسية والروحية وما هو المآل الذي آلت إليه بعد أن دمرت قدرات البلاد والعباد.

أمام المعارضة السياسية مسؤولية تاريخية في إعادة بناء المجتمع على أسس السلام  والديمقراطية والتسامح وتقبل الآخر وحقه في الاختلاف في إطار ما يسمح به القانون.

 

5-3- بناء الرموز الإيجابية: المجتمع يحتاج إلى رموز إيجابية يتشبه بها وعندما لا يجدها أمامه يذهب للبحث عنها تحت سماوات أخرى. أحزاب المعارضة تستطيع تقديم الرموز الإيجابية وهي موجودة يكفي التعريف بها وإظهارها للناس. الرموز تساعد في غرس مجموعة القيم والسلوكيات الديمقراطية في وجدان الأطفال والشباب

5-4- المساهمة في التنمية: الناس لا يأكلون من الديمقراطية وعليه لابد من المساهمة في تنمية البلاد من خلال البحث العلمي وتقديم الاقتراحات البناءة.

5-5- ملء الفراغ الاتصالي: التحول إلى الديمقراطية يتطلب نشر الفكر الديمقراطي وهنا نتوقف للحديث عن دور الاتصال في بناء والترويج لهذا الفكر. لا يمكن أن تقوم المعارضة بدورها بدون وجود فضاء اتصالي خاص بها (جريدة الحزب، موقع على الانترنيت، نشاطات دائمة ومستمرة) وكذلك بدون استعمال وسائل الاتصال العمومية والخاصة وأهمها التلفزيون.

في عالم العولمة وتكنولوجيات الاتصال فإن لم تساهم السلطة والمعارضة في ممارسة الاتصال بكل الوسائل المتاحة ونحو كل شرائح المجتمع فأن آخرين سيأتون لممارسة الاتصال مكان السلطة والمعارضة ويمارسونه بطريقتهم ولحسابهم، لذلك فمن الضروري فتح السمعي بصري أمام المعارضة السياسية وفتح مجال السمعي بصري أمام القطاع الخاص الوطني في إطار قانون واضح ودفتر أعباء محدد وبوجود هيئة عليا للسمعي بصري.

5-6- جعل السلطة وسيلة وليس غاية، فالسلطة، كما يرى المفكر الفرنسي كلود لوفور "غير قابلة للامتلاك، ومجالها فارغ غير قابل للاستحواذ". وبتعبير آخر فإن الأحزاب الديمقراطية هي تلك التي تسعى إلى الحكم وليس إلى امتلاكه، بمعنى أن الوصول إلى السلطة، بالنسبة لأي حزب سياسي، ليس غاية بل وسيلة لتنفيذ برنامج معين.

عندما تكون السلطة هي الهدف فأن هذه المعارضة تفقد السلطة وتفقد روحها لأنها ستتنازل في كل مرة، من أجل الوصول إلى السلطة، على الكثير مما يميزها حتى تبلغ مستوى التنازل عن كل شيء فيضعف الحزب ويتفتت وينقسم ويزول.

الذي يهدف إلى السلطة فالوقت ضيق أما الذي يريد الجزائر فهي باقية ما بقت الأرض.

 

الخاتمة

نحتاج إلى الكثير من الديمقراطية والقليل من الحرية. المشكلة ليست في الحرية بل في كيفية وحدود وفي ماذا تمارس هذه الحرية؟

لا حل أمام الجزائر إلا الحل الديمقراطي فإما أن تقبل به ويعمل الجميع (سلطة ومعارضة) على تجسيده فتسير الجزائر إلى الأمام، أو نعرقله فتتأخر وتتأزم الأوضاع.. أما أن تكون المعارضة معارضة وطنية بناءة متجددة موحدة أولا تكون، وإن لم تكن فلن تكون الجزائر.

 

 

 

 

Retour à l'accueil
Partager cet article
Repost0
Pour être informé des derniers articles, inscrivez vous :
Commenter cet article

جابر 12/12/2015 21:29

جزاك الله كل خير افدتنا كثيرا والله لكن عندي غموض اردك ان توضحه لي (عندما يطرح حزب معارض فكرة معينة وتكون موضع جدال بالنسبة للاحزاب الاخرى كيف يتم التصرف هنا) وبارك الله فيك دكتور